الأربعاء، 8 أبريل 2015

في طَريقِ الوَداع.!

في طَريقِ الوداع.!

يوسف بخيت الزهراني*

من طبيعةِ هذه الحياة الارتحالُ والتنقُّل، حتى بعد أن أصبح الإنسانُ كائناً متحضّرا، يسكُن البيوتَ بعد الكهوف والخيام، إلا أن الرحيلَ ظَلّ يلازمه بصورة أو أخرى، متنقلاً من بلدٍ إلى بلد، متغرباً عن وطنِه وأهلِه، باحثاً عن الرزق في مناكب الأرض.!
في الماضي البعيد كان المقيمُ يودّع المسافرين، أو الظاعنين كما يسمّيهم أجدادُنا العرب، وهو يَنظر بعيونٍ دامعة، إلى قافلةِ الإبل التي ستحملهم ، يقول الشاعر الأعشى:
ودّع هريرةَ إن الركبَ مُرتحِلُ
وهل تُطيقُ وداعاً أيها الرجُلُ؟!
والمعروف عن قصائد المعلقات، أن الشعراءَ يفتتحونها بقصة حُب، وأحد تفاصيل تلك القصة هو الوداع.
ومن منا لا يحفظُ المطلعَ الشهير، لمعلّقة امرئ القيس:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسِقطِ اللِّوى بين الدخُولِ فحَوملِ
وهنا وقفةٌ مع هذه الأبيات العذبة للشاعر محمد بن القاسم، الذي رحل من مصر إلى بغداد، وتوفي بها في العصر العباسي.
وهي أبياتٌ شهيرة تحولت إلى موّال، في العديد من الحناجر عبر الأزمنة حتى اليوم، ومنها قولُه:
لما أناخوا قُبيل الصُّبحِ عِيسَهُمُ
وحمّلوها وسارتْ بالدُّجى الإبلُ
وأرسلتْ من خلال السَّجْفِ ناظرَها
ترنو إليَّ ودمعُ العينِ ينهملُ
وودّعَتْ ببنانٍ زانهُ عَنَمُ
ناديتُ لا حَمَلتْ رِجلاكَ يا جَملُ
يا حاديَ العِيسِ عَرِّج كي نُودّعهُم
يا حاديَ العيسِ في ترحالكَ الأجلُ
إنّي على العهدِ لم أنقُض مودّتهُم
يا ليتَ شِعري لطولِ البُعدِ ما فَعَلوا؟!
وللشاعر إيليا أبو ماضي قصيدةٌ رقراقةٌ طويلة، عنوانها: وداعٌ وشكوى، يقولُ في مطلعها:
أزفَ الرحيلُ وحانَ أن نتفرّقا
فإلى اللقا يا صاحبيَّ إلى اللقا
إن تبكيا فلقد بكيتُ من الأسى
حتى لكدتُ بأدمُعي أن أَغرقا
وتَسعّرتْ عند الوداعِ أَضالعي
ناراً خشيتُ بِحَرِّها أن أُحرَقا
ويَصفُ أبو ماضي حالتَه وحالةَ أحبابِه يومَ الوداعِ قائلا:
أكبادُنا خفّاقةٌ وعُيونُنا
لا تستطيعُ من البُكا أن تَرمُقا
نتجاذبُ النظراتِ وهي ضعيفةٌ
ونُغالب الأنفاسَ كي لا تُزهقا
وأجملُ ما في القصيدة، أن أبا ماضي ما زال لديه الأمل باللقاء، حيث يقول:
يا صاحبيَّ تصبّرا فلربّما
عُدنا وعاد الشملُ أبهى رونقا.!
وهكذا، تمضي حياةُ الإنسانِ من وداعٍ إلى وداع، وطالما بقي من ودّعناه حياً يُرزق؛ فالأملُ باللقاء يبقى مستمرا، لكن ليتَ شِعري، كيف لنا أن نلقى غاليا، فرّق بيننا وبينَه وداعُ الموت؟!
من أشهر قصائد الوداع، التي مات أصحابُها سريعاً بَعدَها، قصيدة مالك بن الريب في رثاء نفسِه، وهي مليئةٌ باللوعة والحُزن، ومن تلك القصائد أيضا، قصيدة الشاعر علي بن زُريق البغدادي، وهي مع قصيدة مالك بن الريب، تُعدّان من عُيون الشِّعر العَربي.
من قصيدة ابن زُريق هذا البيت:
وكم تَشبّث بي يومَ الرحيل ضُحى
وأدمُعي مستهلاتٌ وأدمُعهُ
أيها الأعزاء، ودّعوا أحبابَكم بحرارة، واستقبلوهُم بلهفَة، وعيشُوا على أملِ اللقاء.!

ـــــــ
نقلاً عن صحيفة مكَّة (الورقيّة)
ـــــــ
*كاتب بصحيفة مكَّة (الورقيّة)
في صفحة الرأي
كل أربعاء.
ــــــ
للمزيد من المقالات، يمكنكم لمس صُورة الكاتب الشخصيّة أعلى هذه الصفحة.
كما يوجد سهم أسفل الصفحة، بجوار عبارة:
الصفحة الرئيسية، هذا شكله > ، باللّمس عليه تظهر المقالات الأقدم.
ــــــ
للتواصُل مع الكاتب:

تويتر yba13@

بريد إليكتروني:
anayba2013@gmail.com

الأربعاء، 1 أبريل 2015

وما أدراكَ ما الحَنين؟!

يوسف بخيت الزهراني*

وما أدراكَ ما الحَنين؟!

 تنتاب الإنسان مشاعر لا منتهية، ما بين الفرح والحُزن، والرضى والغضب، ويتنقّل مركبه المهتز باستمرار، في بحر تلك المشاعر، بحسب اتجاه رياح الحياة، ويبقى يمسك بمجاديف الأمل، محاولاً الإبحار نحو جزيرة أحلامه، رافعاً شراع التفاؤل مهما اشتدت الأنواء، مراقباً بوصلة مشاعره، متقدماً - بكل جهد - في طريق السعادة، وإن طالت الرحلة وزادت المشقّة، وعلت الأمواج.!
كم أحنّ إلى بيتنا القديم، المحدود بغُرفه ومساحته، كم أشتاق لتلك الحكايات العذبة بصوت أمي، وكم أحنّ إلى صوت أبي رحمه الله، معاقباً وناهياً عن سوء سلوك، كم أحنّ إلى ألعابي البسيطة مع أشقائي ورفاقي، كم أحنّ إلى ذلك الطين الذي كنا نلعب به بعد هطول الأمطار؛ فترتسم على وجوهنا وثيابنا لوحات سوريالية، تبعث أحدنا على الضحك من صاحبه، وما علم أن ذات اللوحات مرسومة على وجهه وثيابه هو الآخر.!
حتى المسافات التي نقطعها بين البيوت، كانت دروباً من البهجة المتكررة، نفرح كثيراً ونحن نسلكها في اليوم الواحد عدة مرات، ذهاباً وإيابا.
سأعود للحديث عن الحنين للمطر، فهطول الأمطار في قريتي الجنوبية، مهرجانٌ شامل للسعادة والحياة.
ولا يغادر مخيّلتي منظرُ قوس قزح، إذ كانت تختلط مشاعر فرحتي برؤيته، مع مشاعر حُزني بالعجز عن الإمساك به أو تسلّقه.!
كم كنت أغبط الطيور، وهي تغتسل بمياه الأمطار، ثم تنفض الماء عن ريشها، في رقصة انتعاش وانتشاء بالحياة المتجدّدة بنزول الغيث.
وفي عالَم المَدرسة، يأخذني الحنين بعيداً بعيدا، إلى سنوات الطفولة المبكّرة، وبداية العهد بالأبجدية التي فتنتني بجَمال حروفها، وسحرتني بروعة معانيها، واستمرت تلك الفتنة وذلك السِّحر، حتى هذه اللحظة من عُمري.!
ولن أنسى ما حييت، وجوه المعلمين الذين تركوا في عقل ذلك الطفل وقلبه، أثراً إيجابيا لا تزيله عوامل تعرية الزمن.
يا الله، كم حاكيتُ شكل خطّ أحدهم، وكم قلّدتُ طريقةَ الآخر في القراءة، ومشيتُ كمشية الثالث.!
بل إن الحنين أخذني ذات مرة لرائحة أحد العطور، التي اقتنيتُها منذ سنوات طويلة، ويا لسعادتي حين بحثتُ عنه فوجدتُه.!
كلما مضى يومٌ من حياة المرء، اشتاق لأمسه، وإذا انقضت مرحلة، حنّ لسابقتها، فهل من تفسير لذلك الحنين؟!
يبدو أن الأمر لا يخلو من أُحجية نفسية، تخفى تفاصيلُها حتى على المهتمّين بدراسة عِلم النفس والسلوك البشري.
هل نحن خائفون من غدنا، ولأجل ذلك يأخُذنا الحنينُ لأمسنا؟!
أم أن هذا الحنين ليس إلا رغبةً واشتياقاً لتكرار تلك اللذة، التي عشناها وعايشناها، في مرحلة عُمرية ماضية من حياتنا؟!
يبدو أن التساؤلات بدأت تتراكم وتتزايد، ذلك أن الحديث عن الحنين حديثٌ طويلٌ مشوق، لا يخلو من الحنين أيضا.!
فخذوا هذه التساؤلات وفكّروا فيها، لعلكم تجدون إجاباتِها في أعماق ذكرياتكُم، وما مضى من سنين حياتكُم.!

ـــــــ
نقلاً عن صحيفة مكَّة (الورقيّة)

للمزيد من المقالات، يمكنكم لمس صُورة الكاتب الشخصيّة أعلى هذه الصفحة.
كما يوجد سهم أسفل الصفحة، بجوار عبارة:
الصفحة الرئيسية، هذا شكله > ، باللّمس عليه تظهر المقالات الأقدم.

للتواصُل مع الكاتب:

تويتر yba13@

بريد إليكتروني:
anayba2013@gmail.com
ـــــــ
*كاتب بصحيفة مكَّة (الورقيّة)
في صفحة الرأي
كل أربعاء.

الأربعاء، 25 مارس 2015

اِسأل رُوحَك.!

اِسأل رُوحَك.!

يوسف بخيت الزهراني*

تأخذُنا دروبُ الحياة صُعوداً وهبوطا، ونمضي في طُرقاتها، معتدلين تارةً ومتعثّرين أحيانا، وكم اختزنت الذاكرةُ من مواقفَ وذكريات، وكم حفظَتْ من أسماء وعرفتْ من وجوه، منهم من رحل عن دُنيانا، ومنهم من أشغلتْهم عنّا وأشغلتْنا عنهم، همومُ الحياةِ وتفاصيلُ العيش.
وفي زحمة تلك العلاقات والصداقات، تقعُ الأخطاءُ وتَحدُث الهفوات، ربما جهلاً وسهوا، وربما حماقةً وعمدا.!
ومع مُنعطَفات السِّنين والشهور، نتفاجأ - أو هكذا نشعُر - بفقدان أحد الأصدقاء، ثم نهرع للبحث عن رقم هاتفه والاتصَال به، ويدورُ حوارٌ قصير، هو في الغالب من هذا النوع:
المتصِل: كيف حالُك يا صاحبي؟ ما هذا الجَفاء؟
الصاحب (يردّ ببرود): أهلاً بك، دُنيا وظروف.
لكن بصراحة، الجفاءُ منك، لأنّك لا تتصل ولا تَسأل.!
ثم يَردُّ الأولُ على الثاني بذات التهمة، وربما يتحدّثان لدقيقتين أو ثلاث، ثم تنتهي المكالَمة، وتعودُ دورةُ الجفاءِ للتكرار.
كلُّنا مَررنا بتلك المُكالمة الروتينية، فمن يا ترى هو على حق من الصّديقَين؟!
برأيي، إن الظروف التي يتحجّجُ بها الكثيرون، لها حقيقةٌ نعيشُها جميعا، فكلٌ منا بهمومه ومشاغله، التي لا تنتهي ولن تنتهي، ودليلي قول الشاعر:
تموتُ مع المرءِ حاجاتُهُ
وتبقَى لهُ حاجةٌ ما بَقي
وبناءً عليه، لا بد أن يَعذُر أحدُنا أخاه وصاحبَه، ويلتمسَ له بدل العُذر سبعين عذرا، كما جاء في الأثر.
وقناعتي أن الصديقَ الذي يبادرُ بالاتصال والسؤال، له الفضلُ والتقدير، وعندما نردُّ على اتصاله، فواجب الصداقة يُلزمنا  أن نُسمِعه عباراتِ الشكر ومعاني الامتنان، وليُحاسبْ أحدُنا نفسَه قائلا: لماذا لستُ أنا الذي تقدّم واتصل؟! فأكونُ بذلك نلتُ الفضل، والمقام الرفيع عند الله تعالى ثم عند خَلقه.
يقولُ الشاعر:
ولو قَبْلَ مَبكاها بَكيتُ صَبابةً
لكُنتُ شَفَيتُ النفسَ قبلَ التندُّمِ
ولكن بكتْ قبلي فهيّجَ لي البُكا
بُكاها، فكان الفضلُ للمتقدِّمِ.!
ومن هذا الموقف، يمكننا الانطلاق لمواقف مشابهة لا حصر لها، تحدُث بين الأشخاص والعائلات، فهذا يقول: لا أُصالحه وأتنازلُ عن كرامتي، ونسي أو تناسى: "فمن عفا وأصلحَ فأجرُه على الله".
وتلك تقول: لا نزورهم حتى يزورونا، وجهِلتْ أو تجاهلَت: "فهل عَسيتُم إن تولّيتم أن تُفسِدوا في الأرضِ وتُقطِّعوا أرحامَكم".
ويا للعَجب، حين ينطلقُ أحدُنا واعظاً لوّاما، وليتَه بدأ بنفسِه فنهاها عن غيّها، عندها يُصبح قدوةً لغيره، بسُلوكه القَويم.
يا أيُّها الرجلُ المُعلِّمُ غيرَهُ
هلّا لنفسِكَ كان ذا التعليمُ؟!
تصِفُ الدواءَ لذي السِّقامِ وذي الضَّنى
كيما يَصِحُّ بهِ وأنتَ سَقيمُ
ابدأ بنفسِكَ فانهَها عن غيِّها
فإذا انتهتْ عنهُ فأنتَ حكيمُ
فهناك يُقبَلُ ما وعَظْتَ ويُقتَدى
بالقولِ منكَ ويَنفعُ التعليمُ
لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتي مثلَهُ
عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ.!
أيها الكرام والكريمات، اسألوا أنفسَكم وحاسِبوها،وإنّي معكم لِنفسي من المُحاسِبين.

ـــــــ
نقلاً عن صحيفة مكَّة (الورقيّة)

للمزيد من المقالات، يمكنكم لمس صُورة الكاتب الشخصيّة أعلى هذه الصفحة.
(يوجد سهم أسفل الصفحة، بجوار عبارة:
الصفحة الرئيسية، هذا شكله > ، باللّمس عليه تظهر المقالات الأقدم).

للتواصُل مع الكاتب:

تويتر yba13@

بريد إليكتروني:
anayba2013@gmail.com
ـــــــ
*كاتب بصحيفة مكَّة (الورقيّة)
في صفحة الرأي
كل أربعاء.

الأربعاء، 18 مارس 2015

حديثُ الصَّمت.!

حديثُ الصَّمت.!

يوسف بخيت الزهراني*

كانت فقرةُ المشهد الصّامت، في الحفل المسرحي أيام الدراسة الابتدائيّة، هي فقرتُنا المفضَّلة، ومضت بنا محطّاتُ العُمر سريعة، ثم تحوّل ذلك المشهد الصامت إلى أسلوب حياة لدى كثيرين، يمارسونه من حين لآخر.
وهنا، كأنّي بسائل يَسأل: وهل للصَّمت حديث؟!
نعم، للصمت حديثٌ وصدى، يَسمعه ويفهمه من كان له قلبٌ يفيضُ بالمحبّة، وعقلٌ يتّقد بالمعرفة والحِكمة.
وقد قيل: الصامتون أكثرُ الناسِ ضجيجا.
ومثلما للحديثِ لغة، فللصمتِ لغةٌ يُتقنها الصامتون، وهي لغةٌ مشتركة بينهم، مهما اختلفت ألوانُهم وألسنتُهم.!
وبحسب الصمت فضلا، أنه يمنحُ صاحبَه الإيمانَ الحقيقي، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخِر، فليقُل خيراً أو ليصمُت".
أما الصمتُ المذموم، فهو الصمتُ عن قول الحقّ، وكتمان الشهادة، ولا يقل خطراً ووبالاً، كِتمان العِلم، الذي يعرّض من يكتمه للّعن والعياذ بالله، يقولُ الله تعالى: "إن الذينَ يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهُدى من بعد ما بيّناهُ للناسِ في الكِتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهُم اللاعنون".
وتتعدّد أسبابُ الصمت ما بين الاحتجاج، كما يُمارسه أحبّاؤنا الأطفال الغاضبون، أو من له رأي خاصّ من الكبار.
وهناك صمتُ الموافقة والقبول، وهو ما ورد في السُّنة المطهَّرة، عن سكوت الفَتاة البِكر عند خِطبتها.
وفي عالم الحُب، تتعطّل لغةُ الكلام بين المحبّين، وتحلُّ لغةُ الصمت بديلاً لها، يقول أحمد شوقي رحمهُ الله:
وتعطّلتْ لغةُ الكلامِ وخاطَبَتْ
عَينيَّ في لُغةِ الهَوى عيناكِ
ومما قرأتُ قديما، هذه العبارة الفاتنة في معناها:
أجمل ما في الحياة، أن تجدَ إنساناً يَفهمُكَ دون أن تتكلّم.!
وتلك - لعَمري - مرحلةٌ متقدِّمة، من الحُب والإحساس والانسجام بين المُحبّين، حين تتآلفُ أرواحهُم، ويَفهم أحدُهما صمتَ الآخر، تماماً كما يفهم حديثَه.!
يبدو أنّي وقعتُ في حفرة الصمت العميقة، فلجأتُ مضطراً لطلبِ المساعدة، وأجريتُ استطلاعاً لطيفا، مع عدد من أصدقائي الفلاسفة، وسألتُهم سؤالاً قصيراً مفاده:
ماذا يعني لك الصَّمت؟
يُجيب الصديقُ الرائع سعيد الأحمد: الصمتُ ليس حِكمة، كما سوّق له الثرثارون العَرب، وليس خِزياً كما يَعتقد العُشاق، الصمت تكتيكٌ مجرّد، لخطوة غير متوقَّعة.!
وقالت الكاتبة كَفى عسيري في إجابتها: الصمت انفرادٌ بالنفس، بعيداً عن وعثاء التّكرار، وصخَب الحياة، ورتابة الكلام.
وكتبت المغرِّدة رَسيس هذه التغريدة: الصمت حديثُ النفْس والروح، عندما يعجزُ اللسانُ عن النُّطق.
أما الصَّديق العزيز منسي الزهراني، فقد انتظرتُ طويلاً وصول إجابتِه، ثم قلتُ له متسائلا:
هل أصابتكَ صدمةُ سؤالي عن الصمتِ بالصَّمت؟!
يبدو أنكَ مازلتَ تفكّرُ بالإجابة، فبعضُ الأسئلة يَستغرقُ التفكيرُ في إجابتِها عُمراً بأكمله، وأمَلي أن لا يكونَ سؤالي لكَ عن الصمت من هذا النوع.!
فجاءتْني إجابتُه بهذه الدهشة:
صِدقاً، حاولتُ الإجابة، لكنّي وجدتُ أن أفضلَ إجابةٍ عن سؤالكَ هي الصَّمت.!

ـــــــ
نقلاً عن صحيفة مكَّة (الورقيّة)

للمزيد من المقالات، يمكنكم لمس صُورة الكاتب الشخصيّة أعلى هذه الصفحة.

للتواصُل مع الكاتب:

تويتر yba13@

بريد إليكتروني:
anayba2013@gmail.com
ـــــــ
*كاتب بصحيفة مكَّة (الورقيّة)
في صفحة الرأي
كل أربعاء.

الأربعاء، 11 مارس 2015

مَواقفُ أَبي وحِكايات أُمّي

مَواقفُ أَبي وحِكايات أُمّي

يوسف بخيت الزهراني*

الإنسَانُ ابنُ بيئتِه، يتأثّرُ بها ويؤثر فيها باستمرار، والأُسرة أُولى تلك البيئات، وأكثرها تأثيراً في تشكيل الشخصيّة، وقد استقرّ في الذاكرة البيت الشِّعري الشهير:
وينشأُ ناشئُ الفِتيانِ فينا
على ما كان عوّدهُ أبوهُ
وربما اتخذ بعضُ الكُسالى والخاملين، من ذلك حُجةً لفشلهم وركونهم للخيبة في طُموحاتهم الضعيفة، وباتوا يردّدون مقولة امرئ القيس: ضيَّعني أبي صغيرا، وحمّلني دمَهُ كبيرا.
وحتى لا نقسو في الحُكم، ربما كان لكلامهم نصيبٌ من الحقيقة، لكنها ليست حقيقةً مُطلَقة، فالإنسانُ السويّ هو من يتجاوزُ إخفاقاتِه، مستعيناً بخالقه عز وجل، متسلّحاً بالعِلم والمعرفة وتجارب السنين.
وكم من والدَين لم ينالا حظاً من التعليم، وقد نبغ أبناؤهما وبناتهما، نبوغاً بات حديث الناس واستحسانِهم.
ومن باب الاعتراف بالفَضل، والشكر لله تعالى ثم لوالديّ الكريمَين، فإنّي أتقدّم لوالدتي الغالية ونُور عيني في هذه الدنيا، بأسمى عبارات الامتنان والثناء لمقامها الرفيع بوجداني، على ما بذلَتْهُ فيما مضى من سنين عُمرها المبارَك، من جميل التربية ووافر العطف والحنان، داعياً لها بطول العُمر ودوام الصحّة.
وأرفعُ أكُفّ الضَّراعة لخالقي جلّ في عُلاه، أن يتغمّد والدي ومعلّمي بواسع الرحمة، ويُسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، فلقد ضحّى بصحته من أجل أُسرته، وغادر دُنيانا عليلاً في جسده، قوياً في إيمانه، وترك في الحياة أثراً طيّبا، وذِكراً حَسناً لن ينساهُ كل من عرفه.
وكم كان رحمه الله يَفضحُ جهلي، وأنا الشاب الذي أعتقد أني أخذتُ بأنواط الحِكمة، وأسباب المعرفة.!
ولي معه - غفر الله له - مواقف لا تتّسع المساحة لكتابتها، لكن العامل المشترَك فيما بينها: النظرة البعيدة للأمور، من خلال تجربةٍ حياتيّة ممتدّة.
أما والدتي وحبيبة قلبي، فإن لها تأثيرٌ كبير على توجّهاتي الأدبيّة والفكرية، ففي حضنها الدافئ استمعتُ بشغَف مع إخواني وأخواتي للعديد من الحكايات، مما طَبع طفولتي بطابعٍ أدبي، وصَنع لي خيالاً ثَرِياً لا حُدود له، هو اليوم زادي ورصيدي اللّغوي والتصويري فيما أكتُبه وأقوله.
ولعل المُضحك هنا، أنني من حين لآخر أزحفُ على رُكبتَيّ، مقترباً من والدتي، وطالباً منها في تودّد، أن تعيد لي حكايةً مُحبّبةً بنفسي، لأن تلك الحكاية بعينها مليئة بكثير من الحيوانات، التي يؤدّي كلُّ واحد منها دوراً به دلالات، عرفتُها حين كبرت.
والمُبهج أن أمّي العزيزة، ما زالت تحكي الحكاية بذات الأداء السّاحر، وبصوتِها الذي اختزنتْهُ ذاكرتي منذ سنين بعيدة، لن أقول لكم عَددها.!
لا أَنسى أن أُضيفَ هُنا، أن أمّي - دامت عليها ثيابُ الصحّة سابغة – شاعرةٌ من طرازٍ رفيع، حاولتُ مراراً مجاراتها في بعض قصائدها، لكنّي في كل محاولاتي أنالُ هزيمةً مُنكَرة، لي الفَخر أن والدتي ألحقَتْها بي.!

ـــــــ
نقلاً عن صحيفة مكَّة (الورقيّة)

للمزيد من المقالات، يمكنكم لمس صُورة الكاتب الشخصيّة أعلى هذه الصفحة.

للتواصُل مع الكاتب:

تويتر yba13@

بريد إليكتروني:
anayba2013@gmail.com
ـــــــ
*كاتب بصحيفة مكَّة (الورقيّة)
في صفحة الرأي
كل أربعاء.

الأربعاء، 4 مارس 2015

لا تَسرِق الوقت.!

لا تَسرِق الوقت.!

يوسف بخيت الزهراني*

  تتعدّدُ أشكالُ اللصُوص واختصاصاتُهم في هذا الزمان، ولا أحبّذُ الحديثَ عنهم بسبب بُغضي الشديد لهم، ونفُوري منهم جميعا، لكنّي سآخذكم في رحلة - أتمنّى أن تكون مشوّقة - للحديث عن لصوص من نوع خاص ومحبَّب.!
وتبياناً للقول، فإن وصفي لهم باللصوص هنا، هو وصفٌ مجازي لا يخلو من حقيقة، لكنهم لا يحمِلون بشاعةَ ولؤمَ اللصوص الحقيقيين، كلا، فهُم أجملُ وأعذبُ وأنقَى.!
في واقع الحال، إنهم أحبّاؤنا الذين نقضي معهم وبينهم أسعدَ الأوقات، وفي حضرتهم تمضي الساعاتُ سريعة،  وتفرّ الأيامُ هاربة، وتمضي الأعوامُ كالحلم.!
كم أضناني تفكيري واحتار عقلي، في هذا الحساب الغريب للزمن، فكلما جلستُ إلى صديق عزيز أَنسى أنّني أربطُ الساعةَ بمعصمي الأيسر، ولا أنظُر إليها مطلَقا، ويتنوّع الحديثُ مع ذلك الصّديق، بين المُفرِح والمُحزِن، وتسُود لحظاتٌ من الصّمت، نكاد أن نَسمعَ صداها.!
ويمضي الوقتُ سريعاً دون شعور منا به، ويتملّكنا الإحساسُ بأننا خرجنا من دائرة الزمان كلّيا، وما عادت تنطبقُ علينا حسابُ ساعاتِه ودقائقه.
فما حقيقةُ هذا الشعور؟!وما مبعثه؟!
هو - بلا ريب - شعورٌ حقيقي، حدَث ويحدُث مع كثيرين، ومردّه - كما يتضح - إلى مزيج رائع من البهجة الغامرة، الناتجة عن التوافُق الفكريّ والنفسي بين الأصدقاء، وكذلك الأزواج.
حينها تغدو المجالَسةُ والأحاديث متعةً لا تنقضي، تُشبه في لذّتها لذة الطعام والشراب والنوم وغيرها..
حتى قال السابقون أن من مُتعهم في الدنيا، مُجالَسة أقوامٍ ينتقون أطايبَ الكلام، كما يُنتقى أطايبُ الثمر.
وفي عالَم الأزواج، نشاهد صوراً تبعثُ على السّعادة والإعجاب، لزوجين بلغا من العُمر عتيّا، يَظهران بابتسامة صافية وتجاور جسدي، ولو سألنا أحدَهما عن مدى محبّته للآخَر، لأجاب متحدّيا: أنا أُحبّه أكثر.!
وللشاعر أحمد شوقي رحمه الله، قصيدةٌ فائضةُ العذوبة في هذا المعنى، يقولُ في أبياتها:
جبلَ التَّوبادِ حيّاك الحَيا
وسقَى الله صِبانا ورعى
فيكَ ناغينا الهوى في مَهدهِ
ورضَعناهُ فكُنتَ المُرضِعا
وعلى سفحِكَ عِشنا زمنا
ورعينا غنمَ الأهلِ معا
وحَدونا الشمسَ في مَغربِها
وبَكَرنا فسَبقنا المَطلعا
هذه الربوةُ كانت مَلعبا
لشبابَينا وكانت مَرتعا
كم بَنينا من حَصاها أربُعا
وانثنينا فمحَونا الأربُعا
وخَطَطنا في نقَى الرملِ فلم
تَحفظ الريحُ ولا الرملُ وعى
لم تزل ليلى بعينِي طفلةً
لم تزِد عن أمس إلا إِصبعا.!
ما لأحجاركَ صُماً كلّما
هاج بي الشوقُ أبتْ أن تَسمَعا؟!
كُلّما جئتُكَ راجعتُ الصِّبا
فأبت أيامُه أن تَرجِعا
قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً
وتهونُ الأرضُ إلا موضِعا.!
وهنا لا يفوتُني أن أُخبركم أيُّها القُراء الأعزاء، بما يحدُث لي في كل مرّة أكتبُ لكم فيها، فالزمنُ والمساحة يركضان منّي سريعا، وهذا لروعة وجودكُم، وسِحر حُضوركم الذي لا يَنقطع.!

ـــــــ
نقلاً عن صحيفة مكَّة (الورقيّة)

للمزيد من المقالات، يمكنكم لمس صورة الكاتب الشخصية أعلى هذه الصفحة.

للتواصُل مع الكاتب:

تويتر yba13@

بريد إليكتروني:
anayba2013@gmail.com
ـــــــ
*كاتب بصحيفة مكَّة (الورقيّة)
في صفحة الرأي
كل أربعاء.

الأربعاء، 25 فبراير 2015

دَع عنكَ لَومي.!

دَع عنكَ لَومي.!

يوسف بخيت الزهراني*

لا أسهل من الكلام حين ينطقُ به المرء، ولا أصعب من مداواة أثره القاسي، حين يعود الوعي لقائله.!
عندما قال الشاعر: ما أصعبَ الكلام، فله عذره في ذلك، وهو في موقف صادم ساد فيه الصمت، وتعطّلت لغةُ الكلام كما قال شاعرٌ آخر.
لكن الأمر هنا مختلف، لأن حديث اللوم سهلٌ في نطقه، ويجلب لصاحبه لذةَ الهيمنة على من أمامه، ويحقق له مثاليةً متوهمة، تجعل منه الحكيم الذي لا يخطئ، والنموذج الذي لا يتهور.!
وما أكثر اللائمين في البيت والشارع والعمل، بل ربما ظهرت لك بعضُ الوجوه الكالحة، تلومك في أحلام نومك ويقظتك.!
وهكذا يضرب اللائمون أطنابَ خيامهم، في صحرائك الشاسعة، ويحاصرونك بقطعان مفرداتهم الشاردة، وعباراتهم المتخشّبة، والاحتمال الأكبر أنكَ سددتَ أذنيكَ اختيارياً منذ زمن، عن سماع تُرّهاتهم وفارغ لومهم.
في الحقيقة، هذا هو الحل الأوحد؛ فأنتَ لا تستطيع إسكاتهم، وليس أمامك سوى صمّ أذنيك عن سياط عباراتهم.
تعالوا بنا نبدّل المواقع، ونجعل اللائم ملوما، هنا يهطل مطرُ الأعذار، وتهبُّ رياحُ التبريرات، وتسيل حُججُ النوايا الصادقة، فهل من الإنصاف أن نكون لائمين، ولا نرضى أن نتحول لملومين؟!
كم تأسرني سورة يوسف بكل تفاصيلها، وما يعنينا هنا هو موقف يوسف عليه السلام مع إخوانه الذين أخطؤوا بحقه، فإذا به يقولُ لهم بصفاء قلبه:»لا تثريبَ عليكم اليومَ يغفرُ الله لكم وهو أرحمُ الراحمين».
وكذلك الموقف الخالد لنبينا الكريم، محمد بن عبدالله صلواتُ الله تعالى وسلامه عليه، لما قال يوم فتح مكة، لكفار قريش الذين ناصبوه العداء أكثر من عشرين سنة:
اذهبوا فأنتم الطلقاء.!
بينما نبقى نحن، ندور في حلقات اللوم المُفرَغة زمناً طويلا، فلا استجاب المستمع ولا صمَت المتكلّم.!
يا إلهي، يبدو أنني وقعتُ فيما نهيتكم عنه، وتحولتُ هنا لكائن لوام للأقوام اللائمين.!
وخروجاً من هذه الورطة، تفضلوا منّي البديل لكثرة اللوم: إنه جميل العتاب، الذي يُشعر المخطئ بخطئه، ويدفعه بالحُسنى لتصويبه، ويُبقي حبالَ المودة ممدودةً متصلة مع أحبابنا.
ولنحرص على اختيار الوقت والظرف المناسبَين، ونتجنب كثرة العتاب، التي تجعل المستمع لا يبالي بما يُقال له من نصائح ليل نهار.!
ونستحضر في كل أحوال العتاب، بيت الشاعر دعبل الخزاعي:
تأنَّ ولا تعجل بلومٍ لصاحبٍ
لعلَّ له عذراً وأنتَ تلومُ.!
أما الأبيات المشهورة للشاعر بشار بن بُرد، فقد لخّصت محاذيرَ العتاب، وفيها يقولُ بشار:
إذا كنتَ في كل الأمور معاتبا
صديقكَ، لم تَلق الذي لا تُعاتبه
فعِش واحداً أو صِل أخاكَ فإنهُ
مُقارِفُ ذنبٍ مرةً ومُجانبُه
إذا أنتَ لم تشرب مِراراً على القَذى
ظَمئتَ، وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُه؟!
ومن ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلُّها؟!
كفى المرءَ نُبلاً أن تُعدَّ مَعايبُه.!

ـــــــ
نقلاً عن صحيفة مكَّة (الورقيّة)

للمزيد من المقالات، يمكنكم لمس صورة الكاتب الشخصية أعلى هذه الصفحة.

للتواصُل مع الكاتب:

تويتر yba13@

بريد إليكتروني:
anayba2013@gmail.com
ـــــــ
*كاتب بصحيفة مكَّة (الورقيّة)
في صفحة الرأي
كل أربعاء.